عرض مشاركة واحدة
  #31  
قديم 2010-09-08, 12:11 PM
Nabil Nabil غير متواجد حالياً
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
 
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 2,686
افتراضي سلسلة رمضانيات/د. عثمان قدري مكانسي/موقفان متمايزان

سلسلة رمضانيات

موقفان متمايزان

الدكتور عثمان قدري مكانسي

لما وصل موسى بقومه على أرض فلسطين وانطلق بهم إلى بيت المقدس أمرهم موسى عليه السلام أن يدخلوها فاتحين ويُجلوا من احتلها واتخذها موطناً ، فهي سكنى أبيهم يعقوب عليه السلام وسكنى أولاده قبل أن يذهبوا إلى يوسف عليه السلام في مصر ، قال تعالى: " .... يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) " (من سورة المائدة ) فوجدوا فيها قوما من العمالقة الجبارين قد استحوذوا عليها وتملكوها فأمرهم رسول الله - موسى عليه السلام - بالدخول إليها وقتال أعدائهم ، وبشرَهم بالنصر والظفر عليهم . فعصوه وخالفوا أمره خوفاً من العماليق الأقوياء ، فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي في سيرهم حائرين لا يدرون كيف يتوجهون إلى مقصد مدة أربعين سنة عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى .
لقد اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمروا بدخولها وقتال أهلها قوماً جبارين أشداء وأنهم لا يقدرون على مقاومتهم ولا حربهم ، ولا يمكنهم الدخول إليها ما داموا فيها فإن يخرج هؤلاء العمالقة منها دخلوها ، وإلا فلا طاقة لأصحاب موسى بهم .قال سبحانه : " قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) "(المائدة) ، وهذا ردّ الجبان الذي يؤثر السلامة على استرداد حقه ، ويفرّط فيه خوفاً وهلعاً . إن هؤلاء اليهود اعتادوا أن يكونوا خدماً في مملكة فرعون ، وتصرفهم هذا تصرفُ الخدم والعبيد الذين ألِفوا حياة الذل والهوان ، فكانت عقوبتهم أن يتيهوا في الصحراء أربعين سنة ، فينقرض هؤلاء ويخرج من أصلابهم رجال عاشوا الحرية وتذوّقوا طعم الكرامة ، فعلى يد أمثال هؤلاء تُستردّ الحقوق . وقالوا مقولة الجهل بالذات العلية حين طلبوا من موسى - راغبين عن الجهاد - أن يذهب وربه ليقاتلا ، أما هم فيودّون النصر على طبق من الورد يقدم لهم سهلاً يسيراً .

إن الفرق بين أصحاب موسى عليه السلام وأصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم في شبيه هذا الموقف كبير ، ففي غزوة بدر حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه والمسلمين الذين خرجوا لاصطياد القافلة ففوجئوا بجيش قريش المدجج بالسلاح ، وكان العهد بين النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين في المدينة أن يمنعوه في مدينتهم كما يمنعون نساءهم وأبناءهم ، ولم يعدوه أن يحموه خارج المدينة . فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرى رأيهم ويتوثّق من إيمانه فقال : أشيروا عليّ أيها الناس ، فتكلم أبو بكر وعمر فأحسنا ، ثم تكلم المقداد بن عمرو فقال ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ‏‏:‏‏ ‏‏" اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا ههنا قاعدون ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه ، حتى تبلغه ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ، ودعا له به .
ثم قال : أشيروا عليّ أيها الناس – فالمتكلمون الثلاثة من المهاجرين وهو يريد الأنصار . فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال له سعد بن معاذ ‏‏:‏‏ والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ أجل ؛ قال ‏‏قولة المؤمن الصادق المحب لله ورسوله :‏‏ فقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا ، على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق ، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، إنا لَصُبُرٌ في الحرب ، صُدُق في اللقاء ‏‏.‏‏ لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله .

ألا ترى أيها الأخ القارئ البون الشاسع بين ما قاله المؤمن بالله ورسوله الذي يعتبر نفسه جندياً من جنود الله ، ويرى أن عليه أن يقول سمعنا وأطعنا ثم يمتثل للأوامر دون تلكؤ ولا تكاسل ، وبين ما قاله اليهود لنبيّهم ؟ فأمر الله ورسوله لا بد من الالتزام به – إن كنا مؤمنين – لنحوز رضاه والجنة في الآخرة ، والعز والنصر في الدنيا .

فسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ، ونشَّطه ذلك ؛ ثم قال ‏‏:‏‏ سيروا وأبشروا ، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم . هذا ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى المسلمين الطاعة والامتثال والاستعداد النفسي والقلبي ، كان الله تعالى راضياً عنهم ، ومن رضي الله عنه فقد فاز ، وكان النصر على خطاهم . وكان جزاء يهود أن قال تعالى يوبخهم ويعاقبهم ، ويسمهم بالفسق ، والفاسق منبوذ مطروح : " قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) "(المائدة).

يتبع


رد مع اقتباس