عرض مشاركة واحدة
  #37  
قديم 2013-07-14, 07:22 PM
Nabil Nabil غير متواجد حالياً
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
 
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 2,686
افتراضي سلسلة رمضانيات/د. عثمان قدري مكانسي/قول في المحبة

سلسلة رمضانيات

قول في المحبة*

اختارها الدكتور عثمان قدري مكانسي

لعلنا في أغلب أيام رمضان الكريم – أيها الأحباب نعيش مع كنز من كنوز العربية التي غفل عنها كثير من الأدباء بلـْهَ العامّة ، إنه كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة الدينـَوري ، من أمهات الكتب ، فيه من الأدب والعلم والفكر ما يصلح أن يكون مدرسة وحده ، ها نحن اليوم في روضة من رياض هذا الكتاب ، نجول بين أزهار ( المحبة ) فنقتطف منها ما يُزّين مجالسنا ، ويضيء حياتنا .

- كتب رجل إلى صاحبه : أحِنّ إلى عهد أيامك التي حَسُنَتْ بك كأنها أعياد ، وقَصُرَتْ بك كأنها ساعات ، إن الشوق إليك يفوق الصفات ، ومما جدد الشوق إليك تصاقب الدار، ( قربها ) وقرب الجوار ، تمم الله لنا النعمة المتجددة فيك بالنظر إلى الغُرّة المباركة التي لا وحشة معها ولا أُنْسَ بعدها .

- وقال حكيم : ثلاث يُصْفين لك وُدّ أخيك :
فالأولى : أن تبدأه بالسلام إذا لقِيتَه ،
والثانية : أن توسع له في المجلس ،
والثالثة : أن تدعوه بأحبّ أسمائه إليه .

- وقال الحكيم نفسُه : ثلاث يكرهك الناس لها :
فالأولى : أن تعيب على الناس صفات هي فيك ،
والثانية : أن ترى في الناس عيوباً هي فيك أكبر، لا تراها ،
والثالثة : أن تؤذي جليسك فيما لا يَعنيك .

- وعن المقدام بن معدي كرِب – وكان أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتدّ وقومُه عن الإسلام ، فقاتلهم المسلمون بقيادة خالد رضي الله عنه وأعادهم إلى الإسلام ، ومن كان مثله انتفـَتْ الصحبة عنه – قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم:
( إذا أحب أحدُكم أخاه فليُعـْلِمْه أنه يحبه ) كي لا يكون الحب من طرف واحد ، ولتتآلف قلوب المسلمين .

- وكان يُقال : لا يكن حبُّك كَـَلَفاً ولا بغضُك تـَلَفاً (لا تسرف في حبك وبغضك ) .

ونحوه قول الحسن البصري رحمه الله تعالى : أحِبّوا هَوْناً ، فإن أقواماً أفرطوا في حب قوم فهلكوا .

ومثل ذلك أُثِر عن الشافعي رحمه الله تعالى : أحْبِبْ حبيبَك هَوناً ما عسى أن يكون بغيضَك يوماً ما ، وأبْغِضْ بغيضَك هَوناً ما عسى أن يكون حبيبَك يوماً ما .

- أما الصحابي الجليل " عُكّاشة بن محصن" الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم في معركة بدر قضيباً يحارب به حين انكسر سيفه ، فلما هزّ القضيب انقلب بإذن الله سيفاً أبيضَ طويلاً حارب به في كل غزواته إلى أن قُتل في معركة الردّة في بني أسد ، قتله طليحة الأسدي المتنبئ ، ثم عاد طليحةُ إلى الأسلام وحَسُن إسلامُه - هذا الصحابي الجليل بشره النبي صلى صلى الله عليه وسلم بأنه ممن يدخل الجنة دون حساب ولا عقاب – كان عمر رضي الله عنه يحب عُكّاشة كثيراً ، فلما التقى عمر الفاروق بقاتله قال له : قتَلْتَ عكّاشة بن محصن؟! لا يُحبك قلبي .
فقال طليحة : فمعاشرة جميلة - يا أمير المؤمنين – فإن الناس يتعاشرون على البغضاء.

وقال بعضهم لرجل : إني أُبغضك .
فقال : إنما يجزع مِن فقد الحبّ المرأةُ ، ولكنْ عدلٌ وإنصافٌ .

- وقال عمر رضي الله عنه لرجل يريد طلاق زوجته : لِمَ تطلّقها ؟
قال : لا أحبها .
قال : أَوَ كلُّ البيوت بنيت على الحب ؟! فأين الرعاية والتذمم (أن لا يقوم بعمل يذمه الناس عليه ) .

- وكتب أحدهُم إلى صاحبه يبثّه شوقَه : لساني رطب بذكرك ، ومكانُك في قلبي معمور بمحبتك .
ومثل قوله أنشد الشاعر معقِل :

لَعَمري لَئِن قرّتْ بقربك أعيُنٌ * لقد سَخِنَت بالبين منك عيونٌ
فسِرْ وأقِمْ ، وقْفٌ عليك موّتي * مكانُك في قلبي عليك مصونٌ

وذكر أعرابيّ رجلاً ، فقال : والله لكأن القلوب والألسن رِيضَتْ له ، فما تُعقَد إلا على وُدّه ولا تنطق إلا بحمده .

- وقال رجل لابن حوشب : إني أحبّك .
فقال : ولِمَ لا تحبّني ؛ وأنا أخوك في كتاب الله ووزيرك على دين الله ، ومُؤنتي على غيرك ! ولعل الإنسان – لشحّه – يمل من سؤال الناس ويستثقل صحبتهم . فنبه ابن حوشب صاحبه أن الحب قد يضعف ، بل يضمحلّ إذا كان فيه طلب المال والمؤنة .

- وينسب إلى رابعة العدوية – وهو بعيد - قولُها في الحب الإلهي :

أحبـّك حبـّيـْن ، لي واحدٌ * وحـُب ، لأنـّك أهـْل لـذاكَــا
فأمـا الذي أنت أهـْل لـه * فَحُسنٌ فَضَلْتَ به مَن سواكـا
وأما الذي في ضمير الحشا * فلستُ ارى الحُسنَ حتى أراكا
وليس ليَ المنّ في واحد * ولكنْ لك المنّ في ذا وذاكا

- ومن أحبّ ، فأمعن في الحب لم يرَ من حبيبه إلا المحاسن ، ألم يقل المسيب بن عَلَس :

وعين السُخط تُبصر كل عيب * وعين أخي الرضا عن ذاك تُعمي
ومثله لعبد الله بن معاوية :

فلـستُ بـِراءٍ عيبَ ذي الودّ كلـَّه * ولا بعضَ ما فيه إذا كنتُ راضياً
وعين الرضا عن كل عيب كَلِيلَةٌ * ولكنّ عين السخط تُبدي المساويا

ومن هذا الباب قال اليزيديّ : رأيت الخليل بن أحمد قاعداً على طنفُسة ، فأوسع لي ،
فكرهت التضييق عليه ، فقال : إنه لا يَضيق سَمّ الخياط على متحابّيْن ، ولا تسع
الدنيا متباغضَين

- وقال شريح القاضي لزوجته يوضح لها ما ينبغي أن تفعله لتحافظ على حبّه :

خُذي العفوَ مني تستديمي مودّتي * ولا تنطقي في سَورتي حين أغضبُ
فإني رأيتُ الحب في الصدر والأذى * إذا اجتمعـا لم يلبـَثِ الحـُبُّ يـذهـبُ
- وقال أعرابيّ : إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقتِ الألسُن بالفروع ، ولا يظهر الودّ السليم إلا من القلب السليم . وعلى هذا قال أبو زبيد للوليد بن عُقبة :

مَن يَخُنْك الصفاءَ أو يتبَدّلْ * أو يَزُل مثلما تزول الظلالُ
فاعْلَمَنْ أني أخوك أخو العهــــــد حياتي حتى تزولَ الجبالُ
ليس بخلٌ عليك منّي بمالٍ * أبداً ما استقـَلّ سـيفاً حِمالٌ
فلك النصرُ باللسـان وبالــــــــــــكفّ إذا كان لليدين مصالٌ
كل شيء يحتال في الرجال * غيرَ أنْ ليس للمنايا احتيالٌ

- وقال عبد الله بن الزبير ذات يوم : والله لودِدْتُ أنّ لي بكل عشَرَة من أهل العراق رجلاً من أهل الشام ( صَرْفَ الدينار بالدرهم ) . فقال أحد العراقيين : مَثَلُنا ومَثَلُك كما قال الأعشى :

عُلّقتُها عَرَضاً وعُلّقَتْ رجلاً * غيري وعُلّق أخرى غيرَها الرجلُ
أحبّك أهلُ العراق ، وأحبَبْتَ أهل الشام ، وأحب أهلُ الشام عبدَ الملك بن مروان .

- وكتب رجل إلى صديق له : الله يعلم أني أحبك لنفسك فوق محبتي إياك لنفسي ، ولو أني خُيّرْتُ بين أمرين ؛ أحدُهما لي عليك والآخرلك عليّ لآثرتُ المروءة وحُسْنِ الأُحدوثة بإيثار حظك على حظّي ، وإني أحب وأُبغض لك ، وأوالي وأعادي فيك .

* – بتصرف - من عيون الأخبار

رد مع اقتباس