عرض مشاركة واحدة
  #35  
قديم 2013-07-12, 09:09 PM
Nabil Nabil غير متواجد حالياً
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
 
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 2,686
افتراضي سلسلة رمضانيات/د. عثمان قدري مكانسي/الزيارة والتلاقي

سلسلة رمضانيات

الزيارة والتلاقي

الدكتور عثمان قدري مكانسي



روى عثمان بن سودة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
( من عاد مريضاً أو زار أخاً ناداه مناد من السماء أن طبتَ وطاب ممشاك وتبوّأت من الجنة منزلاً ) ، فهي دعوة من نبي الحب والود إلى المسلمين والبشرية جمعاء أن يتقاربوا ويتزاوروا ، فَرَبّ السماء سبحانه يجزيهم الحياة السعيدة في الدنيا والمنزلة الرفيعة في الدار الباقية .

وكان يُقال :
"امش ميلاً وعُد مريضاً ، وامش ميلين وأصلح بين اثنين ، وامش ثلاثة أميال وزُرْ أخاً في الله " .
وهذه حكمة تدعو للقاء المثمر للأخوة ، الداعم للصداقة . والمسلم عنوان البر والإيجابية في الحياة ، فما أجمل أن تزور مريضاً وأن تصلح بين المتخاصمين وأن تنشئ علاقة طيبة مع أخ لك في الله؟! .

وما أجمل قول علي بن الجهم في الصحبة والزيارة :

أبلغْ أخاً ما تولّى اللهُ صحبَتَنا * أنّي وإن كنتُ لا ألقـاه ألقـاهُ
وأن طرفيَ موصول برؤيته * وإنْ تباعد عن مثوايَ مثواهُ
الله يعـلـم أنـي لســت أذكـُره * وكيف أذكرُه إذ لستُ أنسـاهُ

فصحبته في الله باقية سواء لقيه أم غاب عن ناظره ، إنّ قلبه موصول به متعلق برؤيته ، وإنه دائماً معه في كل آن .
وفي هذا المعنى يقول أحدهم :
قد جمعتنا وإياك أحوالٌ لا يُزري بها بعدُ اللقاء ، ولا يُخِلّ بها تنازحُ الديار .
ويعتبر سهل بن هارون أن من روعة الحياة أن تلتقي من يمتاز بشمائل عالية وأخلاق سامية :

وما العيشُ إلا أنْ تطول بنائل * وإلا لقاء المرء ذي الخلق العالي

ويروي ابن قتيبة أنه قرأ في كتب حكماء الهند أن ثلاثة أشياء تزيد في الأنس والثقة :
1- الزيارة في الرحل ( مكان الإقامة )
2- والمؤاكلة ،
3- ومعرفة الأهل والحشم ( أن يتعرف أهلك على أهل المزور فتزداد الألفة وتتوثق الصداقة ) .

وكتب رجل إلى صديقه يستحثه على الوصال : مثـَلـُنا – أعزّك الله – في قرب تجاورنا وبُعد تزاوُرنا ما قال الأوّل :

ما أقرب الدار والجوار وما * أبعد مع قـُربـِنا تلاقينـا

وكل غفلة منك محتملة ، وكل جفوة مغفورة ،للشغف بك والثقة بحُسْن نيّتك ، وسآخذ بقول أبي قيس :
ويُكرمها جاراتُها ، فيزُرْنها * وتعتلّ عن إتيانهنّ فتعتذر

وفي هذا المعنى كتب أحدهم إلى أخيه يستزيره : طال العهد بالاجتماع حتى كِدنا نتناكر عند اللقاء ، وقد جعلك الله للسرور نظاماً ، وللأنس تماماً ، وجعل المَشاهدَ موحشة إذْ خلَتْ منك .
ولعل الرجل يهوى لقاء من يحب ومن يستفيد منه ، ألم يقل بشار بن بُرد في هذا :

يسقط الطير حيث تلتقطُ الحَبَّ * وتُغشى منازل الكرماء

فالإنسان يأوي إلى من يرتاح له فائدةً مادية أو معنوية ، يقول الشاعر في هذا :

تثاقلْتُ إلا عن يد أستفيدُها * وزَورةِ ذي وُدّ أشدّ به أزري
وقال رجل لصديقه : قد تصدّيت لقائك غيرَ مرّة ، فلم يُقضَ ذلك . فقال له الآخر : كل بر تأتيه فأنت تأتي عليه ( تصله وتنال خيره ) .

ولعل والودّ والتفاهم يزيد في الآصرة ويُقوّي العلاقة خاصة إذا كان الرجلان متماثلين ، وقد أنشد الشاعر في هذا المعنى بيتين لطيفين فقال :

أزور محمّداً ، وإذا التقينا * تكلـّمَتِ الضمـائـر في الصـدور
فأرجع لم أَلُمْه ولم يَلُمني * وقد رضي الضمير عن الضمير

لكنّ كثرة الزيارات وطول الزيارة يبعث الملل والقـِلى في النفوس وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( زُرْ غِبـّاً تزدَدْ حبـّاً ) . وقد وصف الأصمعي صاحباً له فقال : كان يكره الزيارةَ المُمِلّة ، والقعدة المُنسِيَة . وقد أنشد شاعر :

إذا شئتَ أن تـُقلى فَزُر متتابعاً * وإن شئتَ أن تزداد حباَ فزُرْغِبـاً
وأنشد آخر بيتين ممتلئين حكمة وأدباً ، فقال :

أَقلِلْ زيارتـَك الصديقَ * يراك كالثوب استَجَدّه
إنّ الصـديـق يُمِلـّــه * ألاّ يـزال يــراك عنــده

وقد أخطأ الشاعر فلم يجزم جواب الشرط ، ولو وضع ( يجدْك ) بدل يراك لاستقام الوزن والمعنى .
إلا أن زيارة الكريم ولقاءه شفاء وراحة ، ولقاء اللئيم مرض وسقام ، وهذا ما أحسَن وصفَه شاعر متمكن ذو علم بهذين النوعين المتناقضين من الناس :

وماليَ وجهٌ في اللئام ولا يدٌ * ولكنّ وجهي في الكرام عريضٌ
أصِحّ إذا لاقـَيتـُهُـم ، وكأنني * إذا أنـا لاقـَيـْتُ الـّلئـامَ مريـضٌ

رد مع اقتباس