اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعودية سنية
[align=center]السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وعن ماذا تتحدث هذه الرواية أخي الكريم ،،
الروايات وان كان فيها اختلاف ، ولكن كلنا أو أغلبنا له ميول لقراءة الروايات وحب لها يمكن أكثرها يكون في سنوات المراهقة أو ما بعدها
واجزم ان الأغلب قرأ رواية شكسبير (روميو وجولييت )) هي معروفة أنها المأساة الغرامية الخالدة ولكن عندما قرأتها أكتشفت انها المأساة الفكرية الخالدة [/align]
|
اختى فى الله سعودية سنية
الرواية تعتبر من الروايات الممنوعة بامر الازهر لانها فيها بعض المعالجات لقضايا الجنس والتحرر فى اروبا ولندن بالاخص وهى ممنوع الان من النشر وانا قراتها قبل اكثر من 31 عام
نورالاسلام
(موسم الهجرة إلى الشمال) التي تعتبر واحدة من أفضل مئة رواية في العالم وقد حصلت على العديد من الجوائز ونشرت لأول مرة في أواخر الستينيات من القرن العشرين في مدينة بيروت وتم تتويجه عبقري الأدب العربي في عام 2001م في دمشق ، تزوج من امرأة انكليزية وأنجب منها ثلاث بنات .
في روايته الرائعة (موسم الهجرة إلى الشمال) يعالج الطيب صالح مشكلة الصراع بين الشرق والغرب وكيف تواجه الشعوب الجديدة هذه المشكلة، كيف تعالجها وتتصرف فيها هل تترك هذه الشعوب ماضيها كله وتستسلم للحضارة الغربية وتذوب فيها؟ وتقلدها تقليداً كاملاً ، هل تعود هذه الشعوب إلى ماضيها وترفض الحضارة الغربية وتعطيها ظهرها وتنكرها إنكاراً لا رجعة فيه؟ أم هل تتخذ موقفاً ثالثاً يختلف عن الموقفين السابقين وما هو هذا الموقف الجديد ؟
هذه المشكلة كانت قد تمت معالجتها من قبل كتاب عرب مثل: توفيق الحكيم في روايته (عصفور من الشرق) ويحيى حقي في روايته (قنديل أم هاشم) وسهيل إدريس في (الحي اللاتيني) وغيرها الكثير من الروايات والكتاب .
لكن هذه المشكلة التي تناولها هؤلاء الكتاب لا ترتبط بتجربة مريرة مثل تلك التي يعبر عنها الطيب صالح ، ذلك أن الشرقي عنده هو شرقي إفريقي (أسود اللون) ومشكلة البشرة السوداء هذه تعطي التجربة الإنسانية عمقاً وعنفاً بل مزيجاً من المرارة ، إن الكتاب الآخرين كانوا من آسيا أو من شمال أفريقيا وهذا معناه أن مشكلة اللون لم تكن عندهم مشكلة ولا عنصراً من العناصر المشتركة في الصراع الكبير ، لكن الطيب صالح يصور هذه المشكلة ويعبر عنها من خلال إنسان أفريقي ذي بشرة سوداء يذهب إلى لندن ويصدم بالحضارة الغربية اصطداماً عنيفاً مدوياً من نوع غريب وعنصر اللون هنا له أهمية كبرى فالبشرة السوداء أكثر من غيرها هي التي انصب عليها غضب الأوروبيين وحقدهم المرير وهي التي تفنن الغرب في تجريحها إنسانياً قبل أن تجرح سياسياً واقتصادياً وثقافياً، إن الإنسان الأسود عاش قروناً من التعذيب والإهانة على يد الغرب وبالتالي تركت في النفس الأفريقية جروحاً لا تندمل بسهولة .
في هذه المقالة أرى من المفيد ذكر ملخص رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) التي كتبت في أوائل القرن العشرين، بطل الرواية مصطفى سعيد ينتقل من قلب أفريقيا السوداء إلى لندن ، من قارة أفريقيا التي كانت تغرق في الظلم والظلام وبالرغم من ذلك فإن هذه الرواية لا تركز تركيزاً حاداً على مشكلة اللون بل على العكس نجد أن الكاتب يمس المشكلة من بعيد جداً ، لكنه يفسر عنف الرواية أن الجرح الإنساني الذي ينزف هو أعمق من أي جرح آخر فهو جرح الإنسان الأفريقي الأسود ويحدد الكاتب فيها موقفه الحضاري المحدد والواضح فبطل الرواية وصل إلى لندن وهناك وصل إلى أعلى مراتب العلم والمعرفة (دكتوراه في الاقتصاد) وثقافته شملت ألواناً من الثقافة والأدب والفن والفلسفة وأصبح محاضراً في إحدى جامعات إنكلترا ومؤلفاً مرموقاً
أفريقيا تعثر في أزمات حادة ولا حل له في آخر الأمر إلا أن يعود إلى قرية في قلب السودان ثم يتزوج بنتاً من بنات القرية ويواصل حياته الجديدة بطريقة منتجة وهادئة ليست كالحياة التي عاشها في إنكلترا فالحل هنا برأي الطيب صالح أن يعود بطله إلى أصله ويبدأ من جديد لتكون البداية صحيحة وسليمة فهو لم يجد في لندن الطمأنينة مهما بلغ فيها من علم
ولكن حين يلقي وراء ظهره بقشور الثقافة الغربية ويبقى على جوهرها ثم يمزجه بواقع بلاده هناك فقط سوف يصبح إنساناً فعالاً له دور حقيقي في الحياة فالذين يتعالون على واقعه الأصلي أو ينفصلون عنه لا يمكن لهم أبداً أن يؤثروا على هذا الواقع أو يغيروا فيه لأن هذا الواقع سوف يرفض أي جسم غريب وشاذ، بجوانبها الروحية والمادية فهو كائن غريب يحمل غموض الشرق وحيوان أفريقي يلهون ويستمتعن به،
ومصطفى سعيد بطل القصة نفسه كان مشحوناً ضد أوروبا وضد التشويه الذي تسببت فيه لأفريقيا وللأفريقيين ولذلك كانت نظرته لهن غير إنسانية زوجها المستشرق الذي تعلم العربية واعتنق الإسلام ومات ودفن في القاهرة التي أحبها وقضى أعظم سنوات عمره فيها فقد كانت إليزابيت بمثابة الأم الروحية لبطلنا أحبته كجزء من حبها للشرق وفهمها له وأحبته لأنها أحست بامتيازه وذكائه وصفاته الإنسانية الأخرى ولم تفكر فيه أبداً على أنه لعبة أفريقية مثيرة ولذلك كان حباً ناجحاً بقي مشتعلاً حتى النهاية بالرغم من جوانب الأمومة فيه وذلك بسبب السن، إن إليزابيت بعد أن عاشت في القاهرة مدة طويلة مع زوجها وتعلمت العربية وعاشرت الناس في الشرق وأحبتهم اكتشفت الجانب الإنساني في الشرق وليس الجانب والمادي ولذلك أحبت مصطفى سعيد في ضوء رؤيتها للشرق كله .
أما الحب الثاني فكان الحب الحقيقي الناجح بعد عودته للسودان وزواجه من (حسنة بنت محمود) والذي أنجب له أو خلاله ولدين وهنا نعود لموضوع الجنس عند الطيب صالح فهو ليس كعلاقته السابقة بل له دور في بناء الحياة ومبني على الامتناع والمساواة والرغبة الصادقة في إقامة علاقة إنسانية صحيحة وهنا هو محبوب ليس لما يمثله بل لذكائه وعمق شخصيته وحبه للقرية وقدرته على العمل والإنتاج وفكرة إنجابه من زوجته السودانية ليس تعبيراً عن تعصب قومي بل لأنه يمثل معنى إنساني بالدرجة الأولى فهي الحب الوحيد الحقيقي وبعد موت مصطفى سعيد رفضت حسنة بنت محمود أن تتزوج من (ود الريس) وهو عجوز سوداني من أبناء القرية وكانت تفضل الموت على هذا الزواج وذلك ناتج عن تذوقها عذوبة الحياة مع مصطفى سعيد الأفريقي الذي صقلته الحضارة والتجربة فقد وجدت فيه شيئاً جديداً فهو منها ولكنه غريب عنها وجديد عليها ولذلك أحبته بعد أن فتح عينيها على عالم أوسع وأعمق من عالمها البسيط وفي هذا تشبه حسنة بنت محمود السودان في تطلعها إلى الجديد وأن تخطو إلى الأمام دون أن تنتزع جذورها من الأرض ، كانت حسنة في الواقع تريد الزواج من آخر وهو (الروائي) حيث أنه كان الامتداد الوحيد المقبول لمصطفى سعيد فقد سافر إلى أوروبا وعاد إلى وطنه يحمل مشعلاً هادئاً وهادفاً وصادقاً ولهذا السبب جعله مصطفى سعيد وصياً على أولاده وثروته وزوجته وجميع أسراره وبعد أن فرض الزواج على حسنة من ود الريس العجوز قتلته وقتلت نفسها وبذلك تكون قد قتلت العادات والتقاليد العديدة التي تجعل من المرأة متاعاً عادياً وليست إنسانة ذات عاطفة مستقلة .
وسقطت هي شهيدة حرصها على ألا تتراجع عن العالم الجديد الجميل الذي خلفه مصطفى سعيد وفي هذا القتل شبه بين جريمة مصطفى سعيد في لندن حيث قتل فيها الوجدان الأوروبي المعقد الذي يعلن كراهيته واحتقاره لأفريقيا وأخيراً يموت مصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال غرقاً في نهر النيل دون أن تظهر جثته ، لقد أراد البطل أن يتطهر من آثامه الأوروبية الفكرية في هذا النهر لأنه يمثل أفريقيا وهو مصدر الحياة لها .
إن روايات الطيب صالح تدور بشكل عام عن الحياة في القرى السودانية خاصة تلك الواقعة في شمال السودان حيث مسقط رأسه في تلك البيئة الممتزجة عرقياً بين الأفريقي والعربي والنوبي ومثلت رواياته بمجملها صراع الهوية بين مهاجر إلى بلاد الضباب بكل صخب حياتها وعائد إلى ريف بسيط متقشف راضخ لروتين الحياة البسيطة كما في موسم الهجرة إلى الشمال ومجموعة دومة ود حامد القصصية .
إن رواية موسم الهجرة إلى الشمال نالت شهرتها كونها من أولى الروايات التي تناولت بشكل فني وراق الصدام بين الحضارات وموقف إنسان العالم الثالث النامي ورؤيته للعالم الأول المتقدم ذلك الصدام الذي تجلى في الأعمال الوحشية والرقيقة أحياناً لبطل الرواية مصطفى سعيد .
الطيب صالح رحمه الله كاتب شامل مكنته ثقافته العميقة والمتنوعة وإطلاعه الواسع باللغتين العربية والإنكليزية على علوم اللغة والفقه والفلسفة والسياسة وعلم الاجتماع وعلم الأجناس والأدب والشعر والمسرح والإعلام