عرض مشاركة واحدة
  #45  
قديم 2013-07-13, 10:07 PM
نمر نمر غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2013-02-26
المكان: بلاد الاسلام بلادي
المشاركات: 692
افتراضي

وقد روى ابن جرير بإسناده، عن طاوس قال: ما من شيء أقرب إلى الشرك من رقية الحية والمجانين.
قلت: ومن الباب ما يفعله كثير من الضُّلال من استعمال الرقى الشركية أو المجهولة لمنع لدغ الحية والعقرب، وبعضهم يمسك الحية والعقرب بيده ويلعب بها فلا تضره، وهذا مما تفعله الشياطين لهم إذا أشركوهم بالله تعالى ودعوهم من دونه ورقوا بأسمائهم، فيمسك الشيطان حينئذ بفم الحية وذنب العقرب حتى لا تلدغ أولياءه المشركين به، وهكذا تفعل الشياطين مع من استجاب لأوليائهم واستعمل رقاهم الشركية، وهي التي يسمونها في زماننا السقوه، ومعناها أن ولي الشيطان يرقي لهم في ماء ويسقيهم إياه حتى لا تضرهم الحية ولا العقرب، وقد افتتن برقاهم كثير من الجهال الأغمار في زماننا وقبله جهلًا منهم بحكمها، وإيثارًا للمصلحة العاجلة، فالله المستعان.
وأما التمائم: هي جمع تميمة، قال أبو عبيد الهروي: هي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتَّقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام.
قال أبو السعادات ابن الأثير: ومنه حديث ابن عمر: «وما أبالي ما أتيت إن علقت تميمة» والحديث الآخر: «من علق تميمة فلا أتم الله له» كأنهم كانوا يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء، وإنما جعلها شركًا لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، وطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه. انتهى.
وقال ابن عبد البر: إذا اعتقد الذي قلدها أنها ترد العين فقد ظن أنها ترد القدر، واعتقاد ذلك شرك. انتهى.
قلت: ومن هذا الباب ما يفعله بعض الجهلة من تعليق الحروز لدفع ضرر الجن، ومثله تعليق الخيوط والسيور ونحوها لدفع الآفات والمؤذيات.
وفي المسند، وسنن ابن ماجة، وغيرهما، أن عبد الله بن مسعود t رأى في عنق امرأته خيطًا فقال: ما هذا الخيط؟ قالت: قلت: خيط رُقي لي فيه، فأخذه فقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله r يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» الحديث.
وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي الضحى، عن أم ناجية قالت: دخلت على زينب -امرأة عبد الله- أعوذها من جمرة ظهرت بوجهها، وهي معلقة بحرز، فإني لجالسة دخل عبد الله، فلما نظر إلى الحرز أتى جذعا معارضا في البيت، فوضع عليه رداءه، ثم حسر عن ذراعيه، فأتاها فأخذ بالحرز فجذبها حتى كاد وجهها أن يقع في الأرض فانقطع، ثم خرج من البيت فقال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك،
ثم خرج فرمي بها خلف الجدار، ثم قال: يا زينب، أعندي تُعلِّقين؟! إني سمعت رسول الله r «نهى عن الرقى والتمائم والتولة» فقالت أم ناجية: يا أبا عبد الرحمن، أما الرقى والتمائم قد عرفنا، فما التولة؟ قال التولة: ما يهيج النساء.
ورواه الحاكم أيضا من حديث قيس بن السكن الأسدي قال: دخل عبد الله بن مسعود t على امرأة فرأى عليها حرزًا من الجمرة، فقطعه قطعا عنيفًا، ثم قال: إن آل عبد الله عن الشرك أغنياء، وقال: كان مما حفظنا عن النبي r: «إن الرقى والتمائم والتولة من الشرك» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
ورواه الحاكم أيضًا من حديث عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زينب امرأة عبد الله أنها أصابها حمرة في وجهها، فدخلت عليها عجوز فرقتها في خيط فعلقته عليها، ودخل ابن مسعود فرآه عليها فقال: ما هذا ؟ فقالت: استرقيت من الحمرة، فمد يده فقطعها ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، قالت: ثم قال: «إن رسول الله r حدثنا أن الرقي والتمائم والتولة شرك» قال: فقلت: ما التولة؟ قال: التولة هو الذي يهيج الرجال. وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى ابن أبي حاتم عن حذيفة t أنه دخل على مريض، فرأى في عضده سيرًا فقطعه أو انتزعه، ثم قال: }وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ{ [يوسف: 106].
وروى الحاكم في مستدركه من حديث بكير بن عبد الله، أن أُمَّه حدثته أنها أرسلت إلى عائشة -رضي الله عنها- بأخيه مخرمة؛ وكانت تداوي من قرحة تكون بالصبيان، فلما داوته عائشة رضي الله عنها، وفرغت منه، رأت في رجليه خلخالين جديدين، فقالت عائشة -رضي الله عنها-: أظننتم أن هذين الخلخالين يدفعان عنه شيئًا كتبه الله عليه؟! لو رأيتهما ما تداوى عندي، وما مس عندي، لعمري لخلخالان من فضة أطهر من هذين. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي المسند، وسنن ابن ماجه، وصحيح ابن حبان، عن عمران بن حصين -رضي الله عنهما- أن النبي r أبصر على عضد رجل حلقة -قال: أراه من صفر- فقال: «ويحك ما هذه؟» قال: من الواهنة؟ قال: «أما إنها لا تزيدك إلا وهنًا، انبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا».
وفي رواية ابن حبان: «فإنك إن مت وكلت إليها».
ورواه الحاكم في مستدركه ولفظه: قال دخلت على النبي r وفي عضدي حلقة صفر فقال: «ما هذه؟» فقلت: من الواهنة، فقال: «انبذها».
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعن عقبة بن عامر الجهني t أن رسول الله r قال: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له» رواه الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الودع: هو الصدف الأبيض الصغار.
قال أبو عبيد الهروي: الودَْع -بالفتح والسكون- جمع ودعة، وهي شيء أبيض يجلب من البحر، يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم، وإنما نهى عنها لأنهم كانوا يعلقونها مخافة العين، وقوله: «لا ودع الله له» أي: لا جعله في دعة وسكون، وقيل: لا خفف عنه ما يخافه. انتهى.
وروى الإمام أحمد، والحاكم في مستدركه، عن عقبة بن عامر أيضا t أنه جاء في ركب عشرة إلى رسول الله r، فبايع تسعة وأمسك عن بيعة رجل منهم، فقالوا: ما شأن هذا الرجل لا تبايعه؟! فقال: «إن في عضده تميمة» فقطع الرجل التميمة، فبايعه رسول الله r ثم قال: «من علق تميمة فقد أشرك» قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات.
وروى الإمام أحمد أيضًا، والترمذي، والحاكم في مستدركه من حديث عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: دخلت على عبد الله بن عكيم أبي معبد الجهني أعوده وبه حمرة، فقلت: ألا تعلق شيئًا؟! قال: الموت أقرب من ذلك، قال النبي r: «من تعلق شيئا وكل إليه».
وروى النسائي، عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه».
قال المناوي في (شرح الجامع الصغير): «من تعلق شيئًا» أي: تمسك بشيء من المداواة واعتقد أنه فاعل للشفاء، أو دافع للداء، «وكل إليه» أي؛ وكل الله شفاءه إلى ذلك الشيء، فلا يحصل شفاؤه، أو المراد؛ مَن تعلقت نفسه بمخلوق غير الله وكله الله إليه، فمن أنزل حوائجه بالله والتجأ إليه
وفوض أمره كله إليه كفاه كل مؤنة، وقرب عليه كل بعيد، ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره أو سكن إلى علمه وعقله، واعتمد على حوله وقوته وكله الله إلى ذلك، وخذله وحرمه توفيقه وأهمله، فلم تنجح مطالبه ولم تتيسر مآربه، وهذا معروف على القطع من نصوص الشريعة وأنواع التجارب. انتهى باختصار.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: التعلق يكون بالقلب وينشأ عنه القول والفعل، وهو التفات القلب عن الله إلى شيء يعتقد أنه ينفعه أو يدفع عنه، فإن كان من الشرك الأصغر فهو ينافي كمال التوحيد، وإن كان من الشرك الأكبر كعبادة أرباب القبور والمشاهد والطواغيت ونحو ذلك فهو كفر بالله وخروج من دين الإسلام، ولا يصح معه قول ولا عمل. انتهى.
وفي معنى التمائم ما يفعل في بعض الجهات اليمنية من وضع سكين عند النفساء حتى تطهر من نفاسها، ومع المختون حتى يبرأ، وعند المولود ما دام في المهد، يزعمون أنها ترد الجن عنهم.
وهذا جهل وضلال وشرك بالله تعالى، وقد روى البخاري في (الأدب المفرد) عن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تؤتى بالصبيان، إذا وُلدوا فتدعو لهم بالبركة، فأُتيت بصبي فذهبت تضع وسادته، فإذا تحت رأسه موسى فسألتهم عن الموسى فقالوا: نجعلها من الجن، فأخذت الموسى فرمت بها ونهتهم عنها، وقالت: «إن رسول الله r كان يكره الطيرة ويبغضها»، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تنهى عنها.
إذا عرف هذا فالمقصود ههنا التحذير من هذه الأمور الشركية، فإن الشرك وإن كان أصغر فهو أكبر من الكبائر وأسوأ منها عاقبة، قال الله تعالى: }إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ{ [النساء: 48]، وقد ينضم إلى الشرك الأصغر من مزيد التعلق به والاعتقاد فيه، ما يجعله أكبر، فينسلخ فاعله من دين الإسلام بالكلية عياذًا بالله من الخذلان، }رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ{ [آل عمران: 8].
رد مع اقتباس