وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وممن قال هذا من العلماء ابن عيينة، والإمام أحمد، وغيرهما، قال: ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلا في قوله: «لا عدوى» وقد يقال: هو من باب عطف الخاص على العام، وخصه بالذكر لاشتهاره عندهم بالعدوى.
وقالت طائفة: بل المراد به شهر صفر، ثم اختلفوا في تفسيره علي قولين:
أحدهما: أن المراد نفي ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء، فكانوا
يحلون المحرّم، ويحرمون صفر مكانه. وهذا قول مالك، وأبي عبيدة.
والثاني: أن المراد بذلك التشاؤم به. رواه أبو داود في سننه عن محمد بن راشد قال: سمعنا أن أهل الجاهلية يستشئمون بصفر، فقال النبي r: «لا صفر».
قال ابن رجب: ولعل هذا القول أشبه الأقوال، وكثير من الجهال يتشاءم بصفر وربما ينهى عن السفر فيه، والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بالأيام كيوم الأربعاء. انتهى.
وهذا القول الأخير هو أرجح الأقوال عندي.
وقد سلك الروافض سبيل أهل الجاهلية في التشاؤم بشهر صفر، بل زادوا على أهل الجاهلية في التطير به وسوء الاعتقاد فيه، وبلغ من سخافة عقولهم، وتلاعب الشيطان بهم، أنهم كانوا يعمدون في آخر يوم من صفر فيكسرون أواني الفخار التي استعملوها فيه، ويغسلون غيرها من الأواني، ويمسحون سقف بيوتهم وجُدُرها، ويكنسون البيت كله، يبتدئون من أقصاه حتى ينتهوا إلى الباب، فيخرجوا الكناسة وكسر الأواني إلى السوق بغاية السرعة، ليخرج معها شؤم صفر على زعمهم الباطل.
وقد قابلهم بعض الجهال من المنتسبين إلى السُنَّة، فوصفوه بالخيرية، فكانوا يقولون: صفر الخير، وقصدهم بذلك مراغمة الروافض، ومعارضتهم فيما زعموه من شؤمه، وهذا من مقابلة الضلالة بضلالة أخرى، فإن شهر صفر وغيره من الشهور لا خير ولا شر عندها، وإنما هي أوقات
وأيام مخلوقة، يتصرف فيها خالقها بما يشاء، فيخلق فيها ما يشاء، ويرزق من يشاء، ويُحيي ويميت، ويسعد ويشقي، ويُجري لمن شاء خيرًا ولمن شاء شرًا، وله الحكمة البالغة }لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ{ [الأنبياء: 23]، ولا علم للشهور والأيام ولا غيرها من المخلوقات بشيء مما قدره الباري وقضاه، فالتطير ببعض الشهور والأيام شرك، ووصفها بالخيرية بغير دليل كذب وخطأ، والله أعلم.
ومن الشرك الأصغر أيضا: الرقى بما فيه شرك، وتعليق الحروز وغيرها من أنواع التمائم، واستعمال التولة وما في معناها؛ لحديث عبد الله بن مسعود t قال: سمعت رسول الله r يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعند ابن حبان قالوا: يا أبا عبد الرحمن، هذه الرقي والتمائم قد عرفناها، فما التولة؟ قال: شيء يصنعه النساء يتحببن به إلى أزواجهن.
وعند الحاكم قال: التولة ما يهيج النساء.
وفي رواية: هو الذي يهيج الرجال.
قال أبو عبيد الهروي: التولة -بكسر التاء وفتح الواو- ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثِّر، ويفعل خلاف ما قدَّره الله تعالى. انتهى.
قلت: وهي في هذه الأزمان فاشية في الأقطار التي ضعف فيها الإيمان،
واشتدت فيها غربة الإسلام، ويسميها بعضهم الصرف، وبعضهم يسميها بغير ذلك.
ومن هذا الباب ما يزعمه كثير من المتكلمين في خواص الحيوانات والنباتات والمعادن وغيرها، من تحصيل المحبة والمهابة، والجاه والمنزلة العالية، والتعظيم والإجلال والإكرام، وغير ذلك من أغراض النفوس وشهواتها بفعل الخاصية التي يزعمون أنها تفعل لهم ما يريدون، وتجلب لهم ما يحبون وما يشتهون، فهذا ونحوه يدخل في معنى التِوَلة، وهو جهل وضلال وشرك بالله تعالى.
وأما الرُّقى، فقال الخطابي رحمه الله تعالى: المنهي عنه هو ما كان منها بغير لسان العرب، فلا يدري ما هو، ولعله قد يدخله سحر أو كفر؛ فأما إذا كان مفهوم المعنى وكان فيه ذكر الله تعالى فإنه مستحب متبرك به، والله أعلم.
قلت: وعلى جواز الرقية بالآيات القرآنية، والتعوذات والأدعية المأثورة، وما في معنى ذلك مما هو مشتمل على ذكر الله تعالى ولا محذور فيه- تدل الأحاديث الكثيرة في الصحيحين وغيرهما، فعلا من النبي r وأمرًا وتقريرًا.
وفي صحيح مسلم، وسنن أبي داود، وتاريخ البخاري، عن عوف بن مالك الأشجعي t أن رسول الله r قال: «لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه شرك».
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به، فضلا عن أن يدعو به ولو عرف معناه؛ لأنه يكره
الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارًا فليس من دين الإسلام. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى. انتهى.
|