قال الخطابي رحمه الله تعالى: قوله: وما منا إلا... معناه: إلاَّ من يعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة فيه، فحذف اختصارًا للكلام، واعتمادًا على فهم السامع. انتهى.
وقد روى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن معاوية بن
الحكم السلمي t أنه قال لرسول الله r: منا رجال يتطيرون؟ قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم».
وفي لفظ لمسلم قال: قلت: كنا نتطير؟ قال: «ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم».
وروى الإمام أحمد، والطبراني عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله r: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك».
وروى الإمام أحمد أيضا من حديث الفضل بن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله r قال: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردّك».
وفي سنن أبي داود، عن عروة بن عامر القرشي t قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله r فقال: «أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم [ما يكره]() فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك».
وروى ابن مردويه، وأبو نعيم، والبغوي، كلهم من طريق عبد الملك بن عمير، عن رجاء بن حيوة، عن أبي الدرداء t قال: قال رسول الله r: «لن يلج الدرجات من تكهن، أو استقسم، أو رجع من سفر طائرًا» هذا لفظ ابن مردويه.
ولفظ البغوي: «من تكهن، أو استقسم، أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة».
وروى البزار بإسناد جيد، عن عمران بن حصين -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله r: «ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحر له».
وروى أبو نعيم في الحلية عن علي t قال: قال رسول الله r: «إن الله أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل...» فذكر الحديث، وفيه أن الله تعالى قال: «ليس مني من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له».
الطيرة -بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن- هي: التشاؤم بالشيء المكروه من قول، أو فعل، أو مرئي، أو مسموع.
قال أبو موسى المديني: وأصله فيما يقال التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرها، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم؛ فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر. انتهى.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن أبي هريرة t عن النبي r قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر».
قال أبو عبيد الهروي: العدوى اسم من الإعداء، يقال: أعداه الداء يعديه إعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء، وذلك أن يكون ببعير جرب مثلا، فتتقى مخالطته بإبل أخرى حذارًا أن يتعدى ما به من الجرب إليها
فيصيبها ما أصابه، وقد أبطله الإسلام؛ لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى، فأعلمهم النبي r أنه ليس الأمر كذلك، وإنما الله هو الذي يمرض وينزل الداء، ولهذا قال في بعض الأحاديث: «فمن أعدى البعير الأول؟!».
أي: من أين صار فيه الجرب؟! انتهى.
وقد قرر هذا المعنى كثير من الأئمة؛ منهم الخطابي، والبيهقي، وابن الصلاح، والمنذري، والنووي، وابن القيم، وابن مفلح، وابن رجب، وغيرهم من المحققين.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: اختلفوا في معنى قوله «لا عدوى» وأظهر ما قيل في ذلك: إنه نفيٌ لما كان يعتقده أهل الجاهلية، من أن هذه الأمراض تعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك، ويدل على هذا قوله: «فمن أعدى الأول؟!» يشير إلى أن الأول إنما جرب بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده.
فأما نهيه r عن إيراد الممرض على المصح، وأمره بالفرار من المجذوم، ونهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون؛ فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك أو الأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، فكما أنه يُؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء، أو في النار، أو يدخل تحت الهدم ونحوه، مما جرت العادة بأنه يهلك أو يؤذي، فكذلك اجتناب مقاربة المريض؛ كالمجذوم، أو القدوم على بلد الطاعون، فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله
تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق غيره ولا مقدر غيره، قال: وأما إذا قوي التوكل على الله تعالى، والإيمان بقضائه وقدره، فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادًا على الله تعالى؛ ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر، ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك، لا سيما إذا كانت فيه مصلحة عامة أو خاصة، وعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي خرجه أبو داود، والترمذي أن النبي r أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: «كل باسم الله، ثقة بالله، وتوكلا عليه» وقد أخذ به الإمام أحمد.
وروي نحو ذلك عن عمر، وابنه عبد الله، وسلمان رضي الله عنهم.
ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد t من أكل السم، ومنه مشي سعد بن أبي وقاص، وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر، ومنه أمر عمر t لتميم حيث خرجت النار من الحرة أن يردَّها، فدخل إليها في الغار الذي خرجت منه.
فهذا كله لا يصلح إلا لخواص من الناس، قوي إيمانهم بالله وقضائه وقدره، وتوكلهم عليه، وثقتهم به، فإن التوكل أعظم الأسباب التي تستجلب بها المنافع، وتستدفع بها المضار. انتهى.
وأما قوله: «ولا طيرة» فقال ابن القيم رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون نفيًا، أو نهيًا أي: لا تطيروا، ولكن قوله في الحديث: «ولا عدوى، ولا صفر، ولا هامة» يدل على أن المراد النفي، وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعاينها، والنفي في هذا أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على
بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه.
وفي صحيح مسلم، عن معاوية بن الحكم، أنه قال لرسول الله r: ومنا أناس يتطيرون؟ قال: «ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم» فأخبر أن تأثره وتشاؤمه بالطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه، فأوضح r لأمته الأمر، وبين لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه؛ لتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى التي أرسل بها رسله، وأنزل بها كتبه، وخلق لأجلها السماوات والأرض، وعمر الدارين الجنة والنار، فبسبب التوحيد ومن أجله جعل الجنة دار التوحيد وموجباته وحقوقه، والنار دار الشرك ولوازمه وموجباته، فقطع r علق الشرك من قلوبهم؛ لئلا يبقى فيها علقة منها، ولا يتلبسوا بعمل من أعمال أهل النار البتة، فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصم بحبله المتين، وتوكل على الله، قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرها من قبل استمكانها.
قال عكرمة: كنا جلوسًا عند ابن عباس -رضي الله عنهما- فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير، خير، فقال له ابن عباس -رضي الله عنهما-: لا خير، ولا شر. فبادره بالإنكار عليه؛ لئلا يعتقد لها تأثيرًا في الخير أو الشر.
وخرج طاوس مع صاحب له في سفر فصاح غراب، فقال الرجل: خير، فقال طاوس: وأي خير عند هذا؟! والله لا تصحبني. انتهى ملخصًا.
ثم ذكر رحمه الله تعالى أحاديث وآثارًا ظن بعض الناس أنها تدل عل جواز الطيرة، وساق معها قصصا كثيرة للمتطيرين، وأجاب عن الجميع بما يشفي ويكفي، فمن أراد الوقوف على ذلك فليراجع آخر كتابه (مفتاح دار السعادة).
وأما الهامة -بتخفيف الميم على المشهور- فقال أبو عبيد الهروي: هي أسم طائر، وهو المراد في الحديث، وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل.
وقيل: هي البومة، قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نعت إليَّ نفسي أو أحدًا من أهل داري، قال النووي: وهذا تفسير مالك بن أنس.
قلت: والتشاؤم بالبومة كثير في الجهال من أهل زماننا، فإذا وقعت على دار أحدهم تطير بها، وقال: إنها تنذر بموته أو موت أحد من أهل داره.
وهذا مما درج إليهم من عقائد أهل الجاهلية وضلالاتهم التي نفاها الإسلام وأبطلها.
قال أبو عبيد الهروي: وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فتطير ويسمونه الصدى، فنفاه الإسلام ونهاهم عنه.
قال النووي: وهذا تفسير أكثر العلماء، وهو المشهور، ويجوز أن يكون المراد النوعين، فإنهما جميعًا باطلان، فبيّن النبي r إبطال ذلك، وضلالة الجاهلية فيما تعتقده من ذلك. انتهى.
وأما قوله: «ولا صفر» اختلف في تأويله.
قال البخاري رحمه الله تعالى: هو داء يأخذ البطن.
وروى أبو داود في سننه، عن محمد بن راشد قال: سمعنا من يقول: هو وجع يأخذ في البطن، فكانوا يقولون هو يعدي، فقال: «لا صفر».
وروى أيضا عن عطاء قال: يقول ناس: الصفر وجع يأخذ في البطن.
وروى مسلم في صحيحه، عن أبي الزبير أن جابرًا t فسّر لهم قوله: «ولا صفر» فقال أبو الزبير: الصفر البطن، فقيل لجابر: كيف؟ قال: كان يقال: دواب البطن.
وذكر أبو عبيدة، وأبو عبيد، عن رؤبة بن العجاج قال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب.
قال أبو عبيد: فأبطل النبي r أنها تعدي.
وصحح النووي رحمه الله تعالى هذا التأويل، قال: وبه قال مطرف، وابن وهب، وابن حبيب، وأبو عبيد، وخلائق من العلماء.
|