عرض مشاركة واحدة
  #40  
قديم 2013-07-13, 09:59 PM
نمر نمر غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2013-02-26
المكان: بلاد الاسلام بلادي
المشاركات: 692
افتراضي

وروى الإمام أحمد أيضًا، عن محمود بن لبيد t أن رسول الله r قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء؛ يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!».
وروى ابن ماجة في سننه، والطبراني في الصغير، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن معاذ بن جبل t قال: سمعت رسول الله r يقول: «إن يسير الرياء شرك» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي الصحيحين، عن جندب بن عبد الله البجلي t قال: قال النبي r: «من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به».
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي نحوه. رواه الإمام أحمد، ومسلم.
ولأحمد أيضا، وابن ماجة، عن أبي سعيد الخدري t عن النبي r نحو ذلك.
وكذا عن أبي بكرة t، عن النبي r. رواه الإمام أحمد.
وقد ذكر العلماء في معنى هذه الأحاديث أقوالا كثيرة؛ ومن أحسنها ما قاله الخطابي رحمه الله تعالى: إن معناها: من عمل عملًا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه.
وقيل: من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به وجه الله، فإن الله يجعله حديثا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة.
وقيل: معنى «سمع الله به»: شهره، أو ملأ أسماع الناس بسوء الثناء عليه في الدنيا، أو في يوم القيامة؛ بما ينطوي عليه من خبث السريرة. انتهى.
وحاصل هذه الأقوال الثلاثة يرجع إلى شيء واحد؛ وهو شهر المرائي وفضيحته عند الناس؛ بإظهار سريرته لهم، وما كان يقصده بعمله من طلب المحمدة والتعظيم والإكرام منهم، كما جاء في الحديث: «ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله ردائها، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرا فشر» رواه الطبراني من حديث جندب بن سفيان البجلي t.
وقد روى الإمام أحمد، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله r يقول: «من سمَّع الناس بعمله سمَّع الله به مسامع خلقه وصغَّره وحقَّره».
قال أبو عبيد الهروي: يقال: سمَّعت بالرجل تسمعًا وتسمِعة؛ إذا شهرته ونددت به، أراد أن الله يسمع به أسماع خلقه يوم القيامة. انتهى.
وروى الإمام أحمد أيضا، والدارمي، عن أبي هند الداري t، أنه سمع النبي r يقول: «من قام مقام رياء وسمعة، راءى الله به يوم القيامة وسمَّع به».
وروى الطبراني من حديث عوف بن مالك الأشجعي t عن النبي r نحوه.
وله من حديث معاذ t، عن رسول الله r قال: «ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء إلا سمَّع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة».
وروى البخاري رحمه الله تعالى في تاريخه الصغير، عن ابن عقربة الجهني t قال: سمعت النبي r يقول: «من قام بخطبة لا يلتمس إلا رياء وسمعة، وقفه الله يوم القيامة موقف رياء وسمعة».
وروى ابن وهب، عن عبد الله بن قيس الخزاعي أن رسول الله r قال: «من قام رياء وسمعة لم يزل في مقت الله حتى يجلس».
وروى أبو نعيم في الحلية، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم t قال: قال رسول الله r: «يؤمر يوم القيامة بناس من الناس إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها ونظروا إليها، واستنشقوا رائحتها وإلى ما أعد الله لأهلها، نودوا أن اصرفوهم لا نصيب لهم فيها، قال: فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون بمثلها، قال: فيقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما
أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا، قال: ذاك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين، تراؤون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم، هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلوني، وتركتم للناس ولم تتركوا لي، فاليوم أذيقكم أليم العذاب، مع ما حرمتكم من الثواب».
وروى أبو نعيم أيضًا، عن الأوزاعي قال: بلغني أنه ما وعظ رجل قومًا لا يريد به وجه الله إلا زلَّت عنه القلوب كما زال الماء عن الصفاء.
وروى الإمام أحمد في الزهد عن مالك بن دينار قال: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلَّت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا.
وروى أبو نعيم، عن سفيان بن عيينة أنه قال: من تزين للناس بشيء يعلم الله تعالى منه غير ذلك شانه الله.
إذا علم هذا، فليعلم أيضا أن الرياء والسمعة من أكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم الناصح لنفسه أن يحذر من ذلك أشد الحذر ويحاسب نفسه على الدقيق والجليل من أعماله؛ فما كان منها خالصًا فليمضه، وما كان فيه شائبة لغيره فليتركه، وليجتهد في إتقان العمل وإخلاصه لله وحده لا شريك له، قال الله تعالى: }فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا {، قال سعيد بن جبير في هذه الآية: لا يرائي بعبادة ربه أحدًا. رواه أبو نعيم في الحلية، وقال الله تعالى: }إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ {.
وعن معاذ بن جبل t أنه سئل: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك،
وعبادة الأوثان، وأخلصوا العبادة. رواه ابن أبي حاتم.
ورُوي عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال في قوله تعالى: }لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا{ [الملك: 2] قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا؛ والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما، ومتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمتى فقد الإخلاص كان منافقًا وهم الذين يراءون الناس، ومتى فقد المتابعة كان ضالًا جاهلًا، ومتى جمعهما كان عمل المؤمنين الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم. الآية. انتهى.
رد مع اقتباس