وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام، حدثنا عبد الجبار الخولاني قال: دخل رجل من أصحاب النبي r المسجد فإذا كعب يقص، فقال: من هذا؟ قالوا: كعب يقص، فقال: سمعت رسول الله r يقول: «لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال» قال: فبلغ ذلك كعبًا فما رُئي يقص بعد. إسناده حسن.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: بلغني عن ابن سريج أنه كان يقول هذا في الخطبة، وكان الأمراء يلون الخطب، فيعظون الناس، ويذكرونهم فيها، فأما المأمور: فهو من يقيمه الإمام خطيبًا، فيعظ الناس ويقص عليهم، وأما المختال: فهو الذي نصب نفسه لذلك من غير أن يؤمر به، ويقص على الناس طلبا للرياسة، فهو يرائي بذلك ويختال، وقد قيل: إن المتكلمين على الناس ثلاثة أصناف؛ مذكر، وواعظ، وقاص؛ فالمذكر: الذي يذكر الناس آلاء الله ونعماءه، ويبعثهم بها على الشكر له، والواعظ: يخوفهم بالله وينذرهم عقوبته، فيردعهم به عن المعاصي، والقاص: هو الذي يروي لهم أخبار الماضين ويسرد عليهم القصص، فلا يؤمن أن يزيد فيها أو ينقص، والمذكِّر والواعظ مأمون عليهما هذا المعنى. انتهى.
قلت: لكن لا يؤمن على المذكر والواعظ الخيلاء والرياء، فإن ذلك هو الغالب على كثير ممن ينصب نفسه ابتداء، من غير أن يؤمر به.
وظاهر الحديث يشمل الأصناف الثلاثة، وقد روي عن علي، وعابد بن عمر، وابن عباس، وغيرهم -رضي الله عنهم- ما يدل على ذلك.
فروى حنبل بن إسحاق، من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: مرّ علي t على قاص، فقام إليه فقال: هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هل تعرف المحكم من المتشابه؟ قال: لا، قال: هل تعرف الزجر من الأمر؟ قال: لا، قال: فأخذ بيده فرفعها وقال: إن هذا يقول: اعرفوني، اعرفوني.
وروى حنبل أيضًا، عن عابد بن عمر أنه قال لقاص: هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: فعلام تقص على الناس وتغرهم عن دينهم، وأنت لا تعرف حلال الله من حرامه!
فهذا علي وعابد، أطلقا اسم القاص على من ينصب نفسه لإرشاد الناس وتعليمهم، فهو أعم من رواية الأخبار وسرد القصص.
وروى البخاري في (التاريخ الكبير)، عن جبير بن نفير قال: أرسلتني أم الدرداء رضي الله عنها -يعني إلى نوف البكالي- قالت: يا جبير، اذهب إلى أنيف، وفلان لم يسمه -قاصين كانا بحمص- فقل لهما: يجعلان من موعظتهما للناس في أنفسهما.
فهذه أم الدرداء -رضي لله عنها- أطلقت اسم القاص على من يعظ الناس ويذكرهم.
|