عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 2013-06-29, 09:50 PM
نمر نمر غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2013-02-26
المكان: بلاد الاسلام بلادي
المشاركات: 692
افتراضي

علاج الهوى


وختاماً لهذا الموضوع فإننا نريد أن نعرف ما هو علاج الهوى؟


التأمل في عواقب الهوى


العاشر: أن ينظر بقلبه في عواقب الهوى فيتأمل كم أفاتت معصيته من فضيلة، وكم أوقعته في رذيلة، وكم أكلة منعته أكلات، وكم من لذة فوتت لذات، وكم من شهوة كسرت جاهاً ونكست رأساً، وقبحت ذكراً، وأورثت هماً، وأعقبت ذلاً، وألزمت عاراً لا يطفئه الماء غير أن عين صاحب الهوى عمياء.


التأمل في الحال بعد قضاء الشهوة


الحادي عشر: أن يتصور العاقل انقضاء غرضه ممن يهواه، ثم يتصور حاله بعد قضاء الوطر وما أفاده وما حصل له، فالآن لو دعا داعي الهوى للزنا بامرأة أو لذة محرمة مع أمرد، فليتخيل هذا المدعو إلى الحرام نفسه بعد المعصية، فليتخيل نفسه بعد الزنا وبعد الفاحشة كيف سيكون حاله، سيكون نادماً حزيناً كئيباً ضيق الصدر، يكره نفسه، فما دام أن النهاية سيئة فأنت ممكن أن تتدارك نفسك.
فأفضل الناس من لم يرتكب سبباً حتى يميز بما تدني عواقبه
الثاني عشر: أن يتصور ذلك في حق غيره حق التصور ثم ينزل نفسه تلك المنـزلة.


مخالفة النفس


الثالث عشر: أن يتفكر فيما تخالفه نفسه من ذلك ويسأل عنه عقله ودينه. من العلاجات ما ذكره ابن مسعود : من أنه إذا دعاه داعي الهوى وقال اذهب للزنا بامرأة، قال ابن مسعود : إذا أعجب أحدكم امرأة فليذكر مناتنها.
تذكر ما في مناتنها من البول، وما في أنفها مما تعافه النفس، وهذا أحسن من قول أحمد بن الحسين :
لو فكر العاشق في منتهى حسن الذي يفديه لم يفده
لو فكر العاشق في هذا الشخص الذي عشقه وشكل المعشوق بعد سبعين سنة.
لو فكر العاشق في منتهى حسن الذي يفديه لم يفده


الأنفة من ذل الهوى


الرابع عشر: أن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى؛ فإنه ما أطاع أحدٌ هواه قط إلا وجد في نفسه ذلاً، ولا يغتر بصولة أتباع الهوى وكبرهم فهم أذل الناس، قد جمعوا بين فصيلتي الكبر والذل، فلو قال: هؤلاء أتباع الهوى يسافرون بسيارات (شبح) وأنا قبل يومين جاءني واحد في سيارة اسمها (فياجرا) ويقال: هذه من المستجدات، فالآن يركبون هذه بثياب فخمة وشكل حسن، ويذهبون إلى أماكن المعصية، وبعض الناس يفتن بهذا فنقول: لا يضرك صولة أهل المعصية.
أن يأنف من ذل نفسه من ذل طاعة الهوى، ولا يغتر بصولة أتباع الهوى وكبرهم فهم أذل الناس، قد جمعوا بين فصيلتي الكبر والذل.


الموازنة


الخامس عشر: أن يوازن من تدعوه نفسه للهوى بين سلامة الدين والعرض والمال والجاه، ونيل اللذة المطلوبة.
فإنه لا يجد بينهما لذة البتة، فليعلم أنه من أسفه إذا باع هذا بهذا.


الابتعاد عن قهر الشيطان


السادس عشر: أن يأنف لنفسه أن يكون تحت قهر عدوٍ؛ فإن الشيطان إذا رأى من العبد ضعف هزيمة وهمة، وميلاً إلى هواه طمع فيه وصرعه، وألجمه بلجام الهوى وساقه حيث أراد.


أن يعلم مكائد الشيطان


السابع عشر: أن يعلم أن الشيطان ليس له مدخل على ابن آدم إلا من باب هواه، فإنه يضيق به من أين يدخل عليه حتى يفسد عليه قلبه وأعماله، فلا يجد مدخلاً إلا من باب الهوى، فيسري معه سريان السم في العظم.


أن يعلم أن الهوى سور جهنم


الثامن عشر: أن الهوى هو سور جهنم المحيط بها، فحول جهنم هوى، فمن وقع فيه وقع فيها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (حفت النار بالشهوات) ولما خلق الله جهنم قال لجبريل: اذهب فانظر إليها.

قال في الحديث: (اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فجاء فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها فإذا هي يركب بعضها بعضا، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحدٌ فيكفر، فأمر بها فحفت بالشهوات، وقال لجبريل: ارجع فانظر إليها، فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالشهوات، فرجع إليه فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد) قال الترمذي : حديث حسن صحيح.


أن يعلم أن مخالفة الهوى تورث القوة


التاسع عشر: إن مخالفة الهوى تورث العبد قوة في بدنه وقلبه ولسانه. قال بعض السلف: الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده، وفي الحديث الصحيح: (ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) وكلما تمرن العبد على مخالفة هواه اكتسب قوة إلى قوته.


إيثار العفة على المعصية وحلاوتها


السابع: إيثار لذة العفة وعزتها وحلاوتها على لذة المعصية.


الفرح بغلبة الشيطان وكبحه


الثامن: فرحه بغلبة عدوه وقهره له، ورده خائباً بغيظه وهمه حيث لم ينل منه، والله تعالى يحب من عبده أن يراغم عدوه ويغيظه، فإبليس عدو لله، والله يحب أن تغيظ عدوه عز وجل وترده خاسئاً وهو حسير، كما قال تعالى: وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ [التوبة:120] وعلامة المحبة الصادقة مغايظة أعداء المحبوب ومراغمتهم.


معرفة الغاية من الحياة


التاسع: التفكر في أنك لم تخلق للهوى، وإنما خلقت لأمر عظيم لا ينال إلا بمعصية الهوى، كما قيل:
قد هيئوك لأمر لو فطنت لـه فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل


قوة النفس


الثالث: قوة نفس تشجعه على شرب تلك الجرعة، والشجاعة كلها صبر ساعة، وخير عيش أدركه العبد بصبره.


ملاحظة حسن العاقبة


الرابع: ملاحظته حسن موقع العاقبة والشفاء بتلك الجرعة.


الندم والألم على ترك الطاعة


الخامس: ملاحظته الألم الزائد على نبذ الطاعة في اتباع هواه.


المداومة على الطاعات


السادس: إبقاؤه على منزلته عند الله وبقلوب عباده، وهو خيرٌ وأنفع له من لذة موافقة الهوى. فكر كيف تحفظ منزلتك عند الله وقدم هذا على لذة الهوى.


الرجوع إلى الله


يعالج الهوى بعدة أمور: أولاً: الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى بدعائه عز وجل أن يوفق العبد ويقيه شر هذه الأهواء، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء) رواه الترمذي وهو حديث صحيح، وكان إبراهيم يدعو فيقول: [اللهم اعصمني بكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ومن اختلاف في الحق، ومن اتباع الهوى بغير هدى، ومن سبيل الضلال، ومن شبهات الأمور، ومن الزيغ واللف والخصومات].


منع القلب مما يشتهي


ثانياً: لا بد من منع القلب مما يضاد الهوى من محبة الله والقرب منه عز وجل، وداء اتباع الهوى والإعجاب بالنفس لا يلائمه كما قال ابن القيم كثرة قراءة القرآن، واستفراغ الإنسان العلم والذكر والزهد وإنما يلائمه إخراجه من القلب بضده. وفي كتاب روضة المحبين لـابن القيم ذكر فصلاً في علاج الهوى، قال فيه: فإن قيل كيف يتخلص من هذا من قد وقع فيه؟ فالجواب بأمور: أحدها: عزيمة حر يغار لنفسه وعليها؛ حتى تتخلص من الهوى وتقاوم الهوى، فإنك تحتاج إلى عزيمة حرٍ يغار لنفسه وعليها. ثانياً: بجرعة صبرٍ يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة.


تغليب العقل على الهوى


والعشرون: أن الله سبحانه وتعالى جعل في العبد هوى وعقلاً، فأيهما ظهر توارى الآخر. كما قال أبو علي الثقفي : من غلبه هواه توارى عنه عقله. فانظر عاقبة من استتر عنه عقله وظهر عليه خلافه.

العقل والهوى يتنازعان، فالتوفيق قرين العقل، والخذلان قرين الهوى، والنفس واقفة بينهما فأيهما غلب كانت النفس معه، النفس تتفرج على حلبة الصراع بين العبد والهوى وتتبع الغالب.


المحافظة على سلامة القلب


الواحد والعشرون: أن الله سبحانه وتعالى جعل القلب ملك الجوارح، ومعدن معرفته ومحبته وعبوديته، وامتحنه بسلطانين وجيشين وعونين وعدتين، فالحق والزهد والهدى سلطان، وأعوانه الملائكة، وجيشه الصدق والإخلاص، ومجانبة الهوى، والباطل سلطان، وأعوانه الشياطين، وجنده وعدته اتباع الهوى، والنفس واقفة بين الجيشين ولا يسلم جيش على الباطل إلا من ثغرة القلب، فهي تعاكس القلب وتصير مع عدوه.

أن يعلم أن اتباع الهوى رق وغل


الثاني والعشرون: أن الهوى رقٌ في القلب، وغلٌ في العنق، وقيد في الرجل، ومتابعه أسير؛ لأنه يكون في رقه، فمن خالف الهوى عتق من الرق وصار حراً، وخلع الغل من عنقه، والقيد من رجله، وصار بمنزلة رجل شاهدٍ لرجل بعد أن كان فيه شركاء متشاكسون.

رب مستور فدته شهوة فتعرى جسره فانتهكا

صاحب الشهوة عبدٌ فإذا غلب الشهوة أضحى ملكا

وقال ابن المبارك :

ومن البلاء وللبلاء علامة أن لا ترى لك عن هواك نزوعُ

العبد عبد النفس في شهواتـها والحر يشبع مرة ويجوعُ

إجابة الدعوة


والثالث والعشرون: أن مخالفة الهوى تقيم العبد في مقام من لو أقسم على الله لأبره، فيقضى له من الحوائج من رب العالمين أضعاف أضعاف ما فاته من هواه، فهو كمن رغب عن بعرة وأعطي بدلاً منها ذُرة، ومتبع الهوى يفوته من مصالحه العاجلة والآجلة، والعيش الهنيء الشيء الكثير لو تركه للهوى؛ فإن ترك الهوى كان أسهل بكثير، وما يفوت بالهوى ليس بشيء بالنسبة لما يبقى من عز الطاعة، وتأمل يوسف عليه السلام لما قوت على نفسه لذة الحرام مع امرأة العزيز، وخالف هواه، ماذا أعقبه الله؟ بسط الله تعالى له نساءً وخدماً ومجداً وعزاً في السلطان بعد خروجه من السجن، لما قبض نفسه عن الحرام بسط الله له يده في السلطان فصار عزيز مصر. ومن الرؤى والمنامات الصالحة لـسفيان الثوري ما رآه عبد الرحمن بن مهدي بعد موت سفيان الثوري -وهم علماء من زمان العلماء، وهؤلاء طلاب عند العلماء وأهل العبادة والزهد والورع والعلم والدين إخوة في الله، الواحد يشتاق للآخر جداً، وإذا مات صعب عليه وتمنى لو يراه في المنام، تمنى لو يكون له خبراً عن حاله- وعبد الرحمن بن مهدي لما مات سفيان الثوري رآه في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: لم يكن إلا أن وضعت في لحدي حتى وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى، فحاسبني حساباً يسيراً ثم أمر بي إلى الجنة، فبينا أنا أجول بين أشجارها وأنهارها لا أسمع حساً ولا حركة إذ سمعت قائلاً يقول: سفيان بن سعيد؟ فقلت: سفيان بن سعيد، قال: تحفظ أنك آثرت الله عز وجل على هواك يوماً؟ -تحفظ أنك يوم من الأيام قدمت الله على هواك؟- قلت: إي والله، فتأخذني النثار من كل جانب، والنثار ما يلقى على العروس عادة أو على الحضور قال: فأخذني النثار من كل جانب.

أن يعلم أن مخالفة الهوى توجب شرف الدنيا والآخرة


الرابع والعشرون: أن مخالفة الهوى توجب للعبد شرف الدنيا وشرف الآخرة، وعز الظاهر وعزة الباطن، ومتابعة الهوى تصيره عبداً ذليلاً محتقراً عند الله وعند الناس، ويوم القيامة إذا نودي آخر الجمع: يا أهل الكرم ليقم المتقون؛ فيقومون إلى محل الكرامة، وأتباع الهوى ناكسو رءوسهم في حر الهوى وعرقه وألمه بينما المتقون في ظل العرش.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يكفينا دواعي الهوى، وأن يخلف عنا سبل الردى، وأن يجعل التوفيق لنا رائداً، والعقل لنا مرشداً، وأن يجعلنا ممن يتعظون، ومن الذين يتعلمون قبل أن يعملوا، وكذلك فإن هذا الأمر وهو اتباع الهوى جدير بأن يدرس ويفكر فيه وأن يكون العبد على حزن، والله منه نسأل أن يوفقنا لكل خير.

انتهى ولله الحمد
رد مع اقتباس