ومما يجب أن يعلم أن الله – تعالى – لم يقص علينا في القرآن الكريم قصص السابقين إلا لنعتبر بها لما فينا من الحاجة إلى ذلك، ولما فيه من المصلحة، وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا ما يقع لنا وما يكون فينا على ما وقع من السابقين وحصل لهم من جراء ذلك .
ولولا أن في نفوس كثير من الناس أو أكثرهم ما كان في نفوس المكذبين للرسل لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا نشبهه بقول أو فعل أو سجية كامنة في النفس تنتظر الخروج، ولكن الواقع مثل ما قال الله تعالى : {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم } [ سورة البقرة ، الآية 118] وقوله تعالى : {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} [ سورة الذاريات الآية :52 ] وقال تعالى : { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } [سورة فصلت ، الآية :43] وقوله : { يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } [ سورة التوبة الآية :30 ] ، أي قولهم يماثل قول من سبقهم بالكفر ويشابهه .
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ " . والقذة : ريشة السهم، وهي ما يشبه رصاصة البندقية (اليوم)، فكل واحدة تكون مساوية للأخرى، فالمعنى أنكم تكونون مثلهم بأفعالهم سواء بسواء .
وفي الحديث الآخر : " لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتى بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعا بذراع فقيل يا رسول الله ، كفارس والروم ؟ فقال : ومن الناس إلا أولئك " .
بمعنى الأول تماما . وكثير من الناس يدعو إلى أن يكون شريكا لله تعالى في طاعة الأمر واتباعه، بل والتعظيم ! وإن كان لا يستطيع أن يصرح بذلك، ولكن هذا كامن في نفسه، وهذا غاية الظلم والجهل، وكل نفس – إلا ما شاء الله – فيها على الأقل شعبة من ذلك، إن لم يعن الله العبد ويهديه، وإلا ظهر ذلك من نفسه ووقع فيما وقع فيه إبليس وفرعون بحسب قدرته وسلطانه .
|