فظائع مروعة في "درعا".. يرويها شاهد عيان
الثلاثاء 17 مايو 2011
مفكرة الاسلام: كشف شاهد عيان عن التفاصيل التي قادت إلى العثور على مقبرة جماعية في مدينة درعا الجنوبية التي انطلقت منها حركة الاحتجاجات في سوريا، بعد أن قامت قوات الأمن بحملة قمع في المدينة قبل أسبوعين، فيما وصفت بأنها الأعنف منذ انطلاق الاحتجاجات في مارس الماضي.
يرجع ذلك إلى قبل أيام مضت، عندما لاحظ سكان القسم الجنوبي من مدينة "درعا البلد"، حركة غير طبيعية لجنود يحومون حول المقبرة الرئيسية الجنوبية للبلدة، التي بات يطلق عليها حاليا اسم "مقبرة الشهداء"، من كثرة من يدفن فيها من قتلى الاحتجاجات.
ومع إعلان فك الحظر لساعات قليلة يوم الاثنين، خرج سكان الحي من بيوتهم، ليلاحظوا انبعاث روائح كريهة من جهة المقبرة، إلى أن وصلوا إلى منطقة تسمى "تل محمد الساري" ليكتشفوا ما روع أفئدتهم: مقبرة جماعية، تبعث منها روائح الجثث التي دفنت على عمق قليل، وبدأوا يخرجون الواحدة بعد الأخرى، حتى استخرجوا نحو 25 جثة، تعرفوا على 10 منها، أما الجثث الباقية فقد كانت مشوهة، ولا تبين ملامح أصحابها.
ونقلت صحيفة "الشرق الأوسط" في عددها الصادر الثلاثاء عن شاهد عيان قالت إنه عرف نفسه باسمه الأول، أحمد – عبر الهاتف- إن حالة من الذهول سيطرت على الأهالي، وثار غضب في عروقهم، ممزوج بالدهشة، من هول ما يرون.
وأكد الرواية رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان عمار قربي متحدثا لوكالة الأنباء الفرنسية إن الأهالي اكتشفوا وجود المقبرة الجماعية صباح أمس في درعا البلد. وأضاف قربي أن السلطات السورية «سارعت إلى تطويق المكان ومنع الناس من أخذ الجثث بعد وعدهم بتسليم عدد منها».
وقال أحمد الذي يعمل طبيبا في المنطقة إن "كثيرا من الحاضرين قاموا بالتقاط صور بالهاتف الجوال، وقاموا بإرسالها إلى مواقع بالإنترنت"، وأشار إلى أنه رغم قيام الجنود بمصادرة عدد من الهواتف الجوالة. لكن كثيرين تمكنوا من إخفائها والتسلل بها إلى الحدود الأردنية حيث يمكن إرسال الصور إلى مواقع الإنترنت مثل موقع (الثورة السورية) وموقع (شام دوت كوم).
وأضاف: "الجنود حملوا جميع الجثث إلى مكان مجهول، لا ندري إلى أين.. ولكن نتوقع أن تودع في المشفى المهجور.. أو إلى مشرحة المدينة".
وكانت قنوات إخبارية سورية معارضة بثت في موقع "يوتيوب" مقاطع فيديو تظهر فيها جرافة تقوم بالحفر وعليها لوحة تشير إلى أنها تابعة لمحافظة درعا. والموقع هو تلة "زملة محمد الساري" كما يقول الموقع. تظهر حفرة وفيها جثة بشرية. ومقطع آخر في الموقع ذاته ويظهر ثلاث جثث مهشمة بعد كشف التراب عنها.
وحول حديث السلطات السورية عن تخفيف حظر التجول في درعا وإعادة خدمات الاتصال، أكد الشاهد أن "الحظر تم فكه لمدة ساعات قليلة قبل أن تعود الدبابات والجنود إلى مواقعهم"، وأضاف: "سمعنا أن سبب فك الحظر كان لوجود منظمة إغاثة في المدينة سمح لها بالدخول.. وقاموا بسحب الدبابات من المدينة وكذا الجنود، حيث تم إخفاؤهم في المقبرة الجنوبية للمدينة.. وبعد مغادرة المنظمة الإغاثية التي لا نعرف اسمها أعادوا الدبابات إلى الشوارع وعاد كذلك الجنود". وأشار إلى أن "مثل هذا الإجراءات تحدث كلما زارت المدينة منظمة إغاثية".
وكانت درعا التي انطلقت منها حركة الاحتجاجات في سوريا هدفا لحملة موسعة شنتها قوات الأمن والجيش قبل أسبوعين اعتقلت خلالها المئات من سكان المدينة والبلدات المحيطة بها. لكن السلطات بررت الحملة بأنها جاءت استجابة لنداءات استغاثة من سكان المدينة بالتدخل لوقف عمليات التخريب والقتل التي تنفذها هذه الجماعات، على حد زعمه.
وقال الشاهد إنه "منذ الخامس والعشرين من أبريل الماضي، دخلت البلدة أعداد كبيرة من الدبابات والجنود، وتمركز القناصة بالمئات فوق أسطح منازلنا.. واحتلوا المساجد والمدارس، ومن يومها لم يرفع أذان في أي مسجد ولم تقم فيها صلاة". وأبدى غضبه من هذا التصرف قائلا: "دخل الإسلام درعا قبل 1400 عام وهذه أول مرة ينقطع فيها الأذان".
وأشار إلى أن "الناس هنا محبوسة في منازلها أو معتقلة في المدارس أو الملعب الرئيسي حيث لا ظل ولا ماء ولا حمامات.. في ظروف إنسانية بالغة القسوة". وتابع: "لا أحد يستطيع أن يخرج رأسه، أي شخص يخرج رأسه يجد رصاصة في اتجاهه".
وتشهد سوريا منذ الخامس عشر من مارس الماضي تظاهرات احتجاجية غير مسبوقة تطالب بإطلاق الحريات وإلغاء قانون الطوارئ ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات ومستوى معيشة المواطنين. وتحولت المظاهرات إلى مواجهات دامية أحيانا أوقعت مئات القتلى، بحسب ما أعلن نشطاء في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.
ووصف الشاهد الأسبوع الأول لدخول قوات المن درعا بأنه "كان مؤلما لا توجد فيه حركة نهائيا.. القصف كان يوميا.. وتم تدمير منازل عديدة في المدينة. كنا نصور المشاهد ونرسل الصور إلى الإنترنت. باستخدام الخطوط الأردنية.. ونجازف كثيرا للوصول إلى مناطق الحدود حيث يمكن إرسال الصور".
وقال أحمد الذي أنقذ حياة كثير من الجرحى "في الأيام الأخيرة سمحوا لنا بالتجول.. ولكن للنساء فقط من الساعة الثامنة وحتى الثانية عشرة أو من (12 إلى 4 مساء).. أما حركة الرجال فتكاد تكون معدومة.. وخلال الفترة الوجيزة التي سمح لنا فيها بالتحرك تم اكتشاف المقبرة الجماعية".
وأضاف: "خلال الأيام الفائتة حصل تمرد في أوساط الجيش حيث تمرد أكثر من 500 جندي وعصوا أوامر إطلاق النار على المواطنين.. وصار اشتباك بينهم.. استمر 5 أيام إلى أن نفدت ذخيرة المتمردين.. وهرب منهم من هرب.. وقتل من قتل".
وأشار إلى أنه في أعقاب ذلك "قام الجنود بعدها بعملية بحث عنهم في المنطقة ودخلوا البيوت أكثر من 7 مرات وفتشوا حتى تحت المراتب على الأرض.. كانوا يبحثون بشكل خاص عن زملائهم المتمردين. واعتقلوا في هذه الحملة نحو 7 آلاف شباب المدينة ممن تزيد أعمارهم على 15 عاما وتم حبسهم في الملعب الرئيسي لعدة أيام قبل أن يطلق سراح معظمهم فيما اختفى نحو 1500 منهم في غياهب السجون".
ووصف الأوضاع الحالية بأنها في غاية الصعوبة، قائلا: "الجنود منتشرون في كل الطرقات وأعدادهم بالآلاف.. يجوبون الشوارع.. بواقع جندي لكل بيت. البلدة القديمة تكاد تكون ثكنة عسكرية.. الوضع خانق.. لا يزال حظر التجول ساريا.. كما أن المدارس معطلة والموظفون لا يذهبون إلى أعمالهم». وقال: «قبل يومين طلبوا من الموظفين الذين لم يقبضوا رواتبهم العودة إلى أعمالهم لتسلم رواتبهم.. لكنهم لم يذهبوا خوفا من الاعتقال.. كما أن المدارس مغلقة منذ أكثر من شهر".
وعن الوضع المعيشي قال الشاهد إن "الأيام الفائتة كانت صعبة جدا لا ماء ولا كهرباء ولا اتصالات.. لا طحين ولا أدوية حتى لأصحاب الأمراض المزمنة مثل السكري والضغط، والفشل الكلوي، لا يجدون الأدوية الخاصة بهم.. لا حليب للأطفال الرضع.. النساء يساعدن بعضهن في إرضاع الأطفال".
وأوضح: "جرحى كثر ماتوا ليس لأن جراحهم خطيرة ولكن لعدم وجود حتى الإسعافات الأولية.. أنا كطبيب أقوم بمعالجة الناس بطرق القرون الوسطى.. سيدات تم توليدهن بطرق بدائية للغاية، بل إن جداتنا قبل 70 عاما كن يلدن بطرق متطورة عما يجري اليوم في درعا، في العتمة وعلى ضوء الشموع".
وكانت السفارة السورية في الكويت رفضت قبل يومين طلب تسيير قافلة مساعدات إنسانية إلى أهالي درعا، واعتبرت أن "أي مادة تحملها هذه القافلة متوفرة لدى أهل درعا وأن سوريا لم تطلب مساعدة من أحد".
وقال بيان صدر عن السفارة إن "القافلة المزمع إرسالها لا مبرر لها"، موضحة أن "سوريا لم تطلب مثل هذه المساعدات، وأن جميع المواد الغذائية وغيرها متوافرة لجميع المواطنين في سوريا بما فيها محافظة درعا".
ويضيف أحمد واصفا الأوضاع المأسوية في درعا: "المحنة التي شاهدناها هنا لم تحدث حتى في غزة إبان الحرب الأخيرة، اليهود لم يمنعوا الفلسطينيين من الذهاب إلى المساجد وهم قادرون على ذلك. الآن الصلاة في المساجد ممنوعة حتى صلاة الجمعة ممنوعة".
ولم تتوقف قوات الأمن عن إطلاق النار على السكان، الأمر الذي يثير حالة من الهلع في نفوس السكان، كما يروي الشاهد، إذ أن "الرصاص يطلق على الهواء بمبرر أو من دون مبرر، لإرهاب الناس. الجنود يطلقون الرصاص الذي يخترق الجدران، شيء عادي جدا. الرعب دخل لدى الأطفال، والقمع والإهانات التي رآها الناس لا تنسى.. لم يرعوا امرأة أو طفلا أو شيخا.. الناس تهرب وتعبر الحدود إلى الأردن.. أو إلى القرى القريبة الآمنة.. ومن يعثر عليه يقتل أو يعتقل".